علي بن محمد البغدادي الماوردي
318
أدب الدنيا والدين
في خلد ثم يرى ذلك حرمة يرعاها ولا يدل إدلال اللئام . وحكي أن رجلا أسر إلى صديق له حديثا ثم قال أفهمت قال : بل جهلت قال أحفظت قال : بل نسيت . وقيل لرجل : كيف كتمانك للسر قال : أجحد المخبر وأحلف للمستخبر . وقال بعض الشعراء : ولو قدرت على نسيان ما اشتملت * مني الضلوع على الأسرار والخبر لكنت أوّل من ينسى سرائره * إذا كنت من نشرها يوما على خطر وحكي أن عبد اللّه بن طاهر تذاكر الناس في مجلسه حفظ السر فقال ابنه : ومستودعي سرا تضمنت سره * فأودعته من مستقر الحشا قبرا ولكنني أخفيه عني كأنني * من الدهر يوما ما أحطت به خبرا وما السر في قلبي كميت بحفرة * لأني أرى المدفون ينتظر النشرا ( الفصل الخامس من المزاح والضحك ) اعلم أن للمزاح إراحة عن الحقوق ومخرجا إلى القطيعة والعقوق يصم « 1 » المازح ويؤذي الممازح فوصمة المازح أن يذهب عنه الهيبة والبهاء ويجرئ عليه الغوغاء والسفهاء وأما أذية الممازح فلأنه معقوق بقول كريه وفعل ممض إن أمسك عنه أحزن قلبه وإن قابل عليه جانب أدبه فحق على العاقل أن يتقيه وينزه نفسه عن وصمة مساويه . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « المزاح استدراج من الشيطان واختداع من الهوى » . وقال عمر بن عبد العزيز : اتقوا المزاح فإنه حمقة تورث ضغينة . وقال بعض الحكماء : إنما المزاح سباب إلّا أن صاحبه يضحك وقيل : إنما سمي المزاح مزاحا لأنه يزيح عن الحق . وقال إبراهيم النخعي : المزاح من سخف أبو بطر . وقيل في منثور الحكم : المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب . وقال بعض الحكماء : من كثر مزاحه زالت هيبته ومن كثر خلافه طابت غيبته . وقال بعض البلغاء : من قل عقله كثر هزله . وذكر خالد بن صفوان المزاح فقال : يصك أحدكم صاحبه بأشدّ من
--> ( 1 ) يصم المازح : من وصم إذا عابه .